عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
205
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
ولعل امرأة لم تبلغ من التأنق ما بلغته زبيدة زوج الرشيد . وفيها يقول المسعودي : « إنها أول من اتخذ الآلة من الذهب والفضة المكللة بالجوهر ، وصنع لها الرفيع من الوشي حتى بلغ الثوب من الوشي الذي اتخذ لها خمسين ألف دينار . وهي أول من اتخذ القباب من الفضة والأبنوس والصندل . ملبسة بالوشي والسمور ( الفراء ) والديباج وأنواع الحرير . . . . واتخذت الخفاف ( النعال ) المرصعة بالجوهر وشمع العنبر وتشبه الناس بها « 1 » » . وهكذا تسربت الحضارة الفارسية إلى حياة العرب العباسيين وتغلغلت عادات الفرس وتقاليدهم في النفوس حتى كادت تذيب شخصياتهم وتصهرها في تيار جارف من الترف والمبالغة في الانفاق والتبذير . ولئن كان الأمويون قد نقلوا إليهم بعض هذه العادات مع صبغها بصبغتهم فإن العباسيين كانوا هم ينتقلون بحذافيرهم إلى العادات الجديدة والتقاليد المستوردة . وقد تسربت هذه العادات إلى المجتمع العربي عن طريق الجواري والرقيق الذي انتشر في كل مكان في القصور ، وفي الأكواخ وفي الصناعات وفي الزراعة وكان كثيرا متنوع الأجناس . فمنه السندي ومنه الإفريقي والزنجي والحبشي ، ومنه الصيني والخراساني وغيرهم ، كما امتلأت قصور الخلفاء والأغنياء والشعراء والعلماء بعدد وفير من رقيق الروم ، غلمان وجوار . كما في قصر المأمون حيث كانت الجواري الروميات تلبسن لبسهن الرومي من زنار وما إليه . وكان لأبي تمام غلام رومي . وكان هؤلاء الأرقاء يتخذون للخدمة في البيوت فيعلمونهم الصنائع اللازمة لتدبير المنزل ، فمنهم الفراش ، ومنهم الطباخ والخباز والشواء والشرابي وغيرهم . وهكذا كثرت الجواري في العصر العباسي كثرة مفرطة فكن يجلبن من أقصى بلاد الترك والهند والكرج والخطا « 2 » وأرمينية والنوبة صغارا وكبارا حسب مواهبهن أو جمالهن . فكان منهن الخدم والحواضن والمواشط والولائد والمغنيات والطباخات وأمهات الدهاء والسياسة .
--> ( 1 ) مروج الذهب للمسعودي : ج 4 - ص 244 . ( 2 ) الخطا : يراد بها بلاد الصين . وقد استعمل الأوربيون هذا اللفظ أول الأمر فكانوا يسمون الصين ( Cathay ) .